اوري افنيري 

نصف شاس / أوري أفنيري


انقسمت شاس إلى نصفين. تُظهر الاستطلاعات أنّ كليهما يحومان في مكان ما حول نسبة الحسم الجديدة، 3.25%.

سيسعد الكثيرون في إسرائيل إذا لم يجتز كلا الحزبين نسبة الحسم، فهكذا ستختفي شاس من الخارطة السياسية في البلاد.

ليس أنا.

من الصعب أن نقرر إذا ما كان حزب شاس قبل كل شيء حزبا سياسيا أو حزبا مدنيا. أعتقد أنّ الشقّ المدني أكثر أهمية.

(في الماضي تمّت تسمية هذا الجمهور بـ "السفارادي"، ولكنها تسمية خاطئة. يلائم هذا الوصف أحفاد اليهود الذين طُردوا من إسبانيا عام 1492 من قبل الزوجين فرديناند وإيزابيلا. تم استقبال المطرودين بأذرع مفتوحة من قبل المملكة العثمانية الإسلامية، وانتشروا في كل الأراضي من المغرب حتى بلغاريا وصولا إلى إيران. ولكن غالبية اليهود في البلاد الإسلامية ليسوا من أصول إسبانية. بدأت صحيفتي الأسبوعية، "هعولام هزيه"، بتسميتهم "الشرقيون"، وتم قبول هذا المصطلح).

يمثّل الشرقيّون الآن نحو نصف نسبة السكان اليهود في إسرائيل. افتُرض سابقا أنّ الهوّة بينهم وبين الشكناز ستختفي مع الزمن، ولكنها تزداد توسعا. يشعر الشرقيون بأنّه يتم التمييز ضدّهم، وأنّ "النخبة" الأشكنازية تستهين بهم، وتقمعهم. في قلوبهم ضغينة منذ زمن طويل.

وهنا عليّ أن أوضح اهتمامي الشخصي بمشكلة الشرقيين. وقد تحدّثت عن ذلك في الماضي.

في وسط حرب 1948 تمت ترقيتي من مجند جديد إلى قائد فرقة وطلبوا مني الاختيار بين المجنّدين الجدد من أصل بولندي والمجنّدين الجدد من أصل مغربي. اخترت المغاربة، بالإضافة إلى بعض المجنّدين الجدد من أصول ليبية وتركية. ورغم عدم وجود لغة مشتركة بيننا، قمت بتدريبهم وقدتهم في القتال. حاولت جاهدا منحهم معاملة عادلة، وقد كافأوني بأنّهم خاطروا بحياتهم لإنقاذ حياتي عندما أُصِبت. بفضلهم أنا حيّ.

فهمت خلال تلك الحرب بأنّ شيئا غير جيّد يحدث. كان جنودي متطوّعين، تركوا أسرهم خلفهم وجاؤوا إلى البلاد وحدهم للقتال. لقد شعروا بأنّ قدامى المحاربين - وخصوصا الفتيات - نظروا إليهم باعتبارهم "سكينا مغربيا".

كانت العلاقات بين هؤلاء القادمين الجدد والاستيطان القديم مستندة إلى عدم الفهم المتبادل. شعر القدماء، الذين وُلدوا وترعرعوا في البلاد بتفوق كبير، وأرادوا بإخلاص مساعدة الجدد "البدائيين" ليكونوا مثلهم. الجدد، الذين صادفوا الأفكار المسبقة في كل مكان، تأذوا بطبيعة الحال من هذا التعامل. هذه الظاهرة قائمة في بلاد الهجرة في كل العالم.

عندما تم تسريحي من الجيش بعد الحرب رأيت بأمّ عيني كيف تُولد المأساة. منذ شهر كانون الثاني عام 1954 نشرت في مجلة "هعولام هزيه" سلسلة باسم "يضربون السود"، والتي أثارت فضيحة وطنية. تم اتهامي بالتحريض، وزرع الانقسام وبماذا لم أُتّهم. مرت عشرات السنين حتى فهم الشعب بأنّ ثمة مشكلة خطيرة هنا. في السنوات التي تلت ذلك دعمت مجلة هعولام هزيه" بشكل عام نضالات الشرقيين، من وادي الصليب وحتى "الفهود السود" وهلمّ جرّا.

الصدع بين الشكناز والشرقيين هو فقط أحد الصدوع الكثيرة في إسرائيل. هناك صدع عميق بين المتدينين والعلمانيين، بين اليهود والعرب، بين القدماء والمهاجرين الجدد (وخصوصا المهاجرين من الاتحاد السوفياتي سابقا وإثيوبيا)، بين اليساريين واليمينيين، بين "فقاعة تل أبيب" والمناطق الهامشية، وبطبيعة الحال بين الأغنياء والفقراء.

هذه الظاهرة ليست مأساوية في حدّ ذاتها. ففي كل بلد هناك صدوع من أنواع مختلفة.

السيء في الصدوع التي لدينا أنّها في الواقع صدع واحد كبير. معظم الشرقيين متديّنون، يمينيّون، فقراء وسكان المناطق الهامشية. إنهم لا يحبّون الشكناز، العلمانيين، العرب، الروس، و"اليساريين"، التل أبيبيين، الأثرياء و"النخبة" إطلاقا.

وهم يشكّلون القاعدة الانتخابية لليكود.

لماذا، لوجه الله؟

في الواقع فإنّ المنطق يقول عكس ذلك. الليكود هو نيو ليبرالي. إنه بمثابة أداة بيد كبار رجال الأعمال. إنه يدعو إلى السياسة التي تجعل الفقراء أكثر فقرا. إنه ينقل أموالا هائلة من التعليم، الصحة والرفاه إلى المستوطنات والجيش. الغالبية العظمى من المستوطِنين المتطرّفين هم من الشكناز.

عندما يصوّت شرقي لصالح الليكود، فهو يصوّت ضدّ مصالحه الذاتية. فلماذا إذن يفعل ذلك؟

هناك العديد والعديد من التفسيرات لذلك، وجميعها صحيح.

أحدها أنّه عندما جاء جميع المهاجرين الشرقيين إلى إسرائيل، وجدوا هنا شعبا ليس فقط أنه ينظر إلى العرب كأعداء ألدّاء، وإنما أيضًا بشرا بدائيين يستحقّون الاحتقار. ولكن الشرقيين تحدّثوا بنفس النطق الحنجري كالعرب. كانت موسيقاهم عربية، ثقافتهم وتقاليدهم كانت عربية. ولذلك سارع الجدد للتخلّص من كل هذه الصفات (بنجاح قليل). لقد تبنّوا لأنفسهم عداء عميقا لكل شيء عربي.

إحدى الصفات الغريبة لتغيّر القيم هذا كانت التصميم الرجعي للتاريخ. رحّب الحكّام المسلمون باللاجئين من إسبانيا، والذين استوطنوا في جميع أنحاء إمبراطوريّتهم. عاش اليهود في البلاد الإسلامية بسلام، برعاية الحكام المسلمين الذين أمرهم القرآن بالدفاع عن "أهل الكتاب"، اليهود والمسيحيين. لم تكن في العالم العربي مذابح منظّمة، ولم تكن هناك محاكم تفتيش، ولم يكن هناك طرد جماعي، وبطبيعة الحال لم تكن هناك كارثة. حتى بداية الصراع الصهيوني - العربي كانت هناك حوادث نادرة ومحلية معادية لليهود.

ولكن في إسرائيل فإنّ المهاجرين الجدد من المغرب ومصر، من العراق وإيران، مقتنعون بأنّ حياتهم في العالم الإسلامي كانت حياة معاناة وعذاب لا تنتهي، حتى قبل ظهور الصهيونية. يؤمن أحفادهم بذلك إيمانا كاملا.

في إحدى المرات، وخلال جدال في الكنيست، صدر عن أبا إيبان رأي مماثل. أسرعت لإرسال مذكّرة له واحتججت بغضب. اعتذر إليّ بفتور ("كانت هناك أضواء وظلال...") وأرسل لي إلى المنزل كتابه السميك عن التاريخ اليهودي. ليس فيه ذكر للأمور التي قالها في الكنيست.

وبشكل غريب اعتقد الفلسطينيون خلال فترة طويلة أنّ "اليهود العرب" سيجلبون السلام والمصالحة، بخلاف الشكناز كارهي العرب في القيادة الصهيونية. اعتقد المواطنون العرب في إسرائيل أيضًا أنّ اليهود الشرقيين سيشكّلون "جسرًا". كانت خيبة أملهم مريرة.

هناك سبب آخر لتدفّق الشرقيين إلى اليمين وهو حالتهم الاجتماعية - الاقتصادية. إنها ظاهرة عالمية: في البلاد الاستعمارية تكره الطبقة السفلى للشعب الحاكم الأقليات القومية.

وهناك أيضًا عامل عاطفي. يتحدث اليمين بشكل عام بلغة عاطفية، تتوجه إلى القلب، بينما يستخدم اليسار المنطق البارد، الذي يتوجه إلى العقل. إنّ المنطق العلماني لا يغزو قلوب جموع الشرقيين، من مرتدي القلنسوة. ومع ذلك، فإنّ الديانة الشرعية هي بشكل عام معتدلة ومتسامحة أكثر من الديانة المتعصّبة لدى الحاريديين الشكناز.

تأسس حزب شاس عام 1982، بعد أن فشلت المحاولات السابقة لإنشاء قوة سياسية شرقية. كان الزعيم الديني والسياسي الأكثر بروزا لدى شاس هو عوفاديا يوسف، حاخام كاريزمي وُلد في العراق ويعتبر كبيرا في التوراة. فاز الحزب عام 1984 بأربعة مقاعد، وفي عام 1989 قفز إلى 17 مقعدا، ومنذ ذلك الحين استقرّ حول 11-12 مقعدا.

تم تسجيل نجاحه أيضًا بفضل شاب من مواليد المغرب، أرييه درعي، وهو سياسي موهوب وصل في سنّ الثامنة والعشرين إلى منصب وزير الداخلية.

جذب درعي اهتمامي عندما دعا إلى السلام مع العرب ورأى في الحزب أداة لتحقيق هذا الهدف. الحاخام عوفاديا أيضًا دعا إلى السلام. بخلاف معظم الحاخامات المهمّين قرّر أنّه يُسمح بعودة العرب إلى الأراضي المحتلة، لتجنب إنقاذ الأرواح. زار مصر وصدرت منه هناك آراء مماثلة.

أقنعني كل ذلك بأنّه يجب دعم هذا الحزب الجديد. اخترت درعي كـ "شخصية العام"، في مجلة "هعولام هزيه" وكتبت مقالا طويلا، أكدت فيه أنّ هناك مهمّة تاريخية على الشرقيين القيام بها وهي صنع السلام، وفق نموذج التكافل بين العرب واليهود في القرون الوسطى. فإنّ كل الشخصيات المهمة في تاريخ يهود الشرق عاشوا بسلام مع العرب - بدءًا من الرمبام (موسى بن ميمون)، الذي كان طبيبًا شخصيًّا لصلاح الدين الكبير، بالإضافة إلى يهوذا اللاوي. لقد تحدّثوا وكتبوا بالعربية ومثّلوا أيضًا جزءًا من الثقافة العربية.

ولكن مع مرور السنين توجّه حزب شاس أكثر فأكثر باتجاه اليمين. اندفع قادته وراء جموع الناخبين. بشكل عام كان حزب شاس عبدًا خانعًا لليكود. ولكن من الجدير بالذكر أنه في عهد إسحق رابين كان حزب شاس هو الذي مكّن الحكومة اليسارية من تحقيق اتّفاق أوسلو.

توفي الحاخام عوفاديا قبل 15 شهرا ودُفن في جنازة هي الأكبر في تاريخ البلاد. لقد ترك خلفه وريثين، لم يستطيعا احتمال بعضهما البعض.

الأول هو أرييه درعي، الذي حُكم عليه في الماضي بأربعة سنوات من السجن بتهمة الرشوة والاحتيال. ولكن تم إطلاق سراحه بعد عامين ونصف.

والثاني هو إيلي يشاي، سياسي متعصّب وفاقد لحسّ الفكاهة. جلست بجانبه في إحدى المرات في قاعة المحكمة العليا. كان ذلك أشبه بالجلوس بجانب زنبرك عصبي. لم يجلس هادئا ولو للحظة. كانت أعضاؤه تتحرّك طوال الوقت، وفي بعض الأحيان كان يقفز رغبة منه في أن يقول شيئا. أمره القضاة بالجلوس والصمت.

العداء بين الاثنين شخصي، ولكن له آثار سياسية بعيدة المدى. انقسم شاس بين جزئين متساويين تقريبا.

توجّه الجزء الذي تحت قيادة يشاي إلى اليمين وهو يبحث عن حليف في أوساط المؤسسات اليمينية المتطرفة، بل وحتى الفاشية. إنّهم يعدّون هجمات وحشية على درعي، الذي يوصف من قبلهم كيساري محبّ للعرب. ودليل على ذلك جلبوا مقابلة قدّمتها قبل سنوات، أشدتُ فيها بموقف درعي الإيجابي تجاه السلام. (عندما اتهموا درعي بأنّني صديقه، أجاب بأنه إذا كان لديه أصدقاء مثلي، فهو ليس بحاجة إلى أعداء).

الآثار العملية هي أنّه إذا بقي درعي بعد الانتخابات على رأس حزب من 5-7 مقاعد في الكنيست القادمة، فقد يكون حزبه مرشّحا لائتلاف الوسط-اليسار، إذا تراكمت الأرقام لتصبح أغلبية. يمكن لذلك أن يكون تحوّلا مصيريّا.

بالنسبة لي فسيكون ذلك تحقيقا لحلم. ستستطيع حركة السلام الإسرائيلية بهذه الطريقة الخروج من الغيتو الشكنازي النخبوي والالتقاء مع جموع الشرقيين.

في هذه اللحظة، فهذا مجرّد احتمال. لو كنت متديّنا، لصلّيتُ من أجل ذلك.