اوري افنيري 

قحط في تكساس / أوري أفنيري


كل شخص يعرف الحكاية. حين كان ليفي إشكول رئيسا للحكومة، هرع إليه مساعدوه مذعورين وقالوا: "ليفي، يوجد قحط"!

"أين؟ في تكساس؟" سأل إشكول قلقًا.

"لا، في البلاد"، أجابوه.

هدأ إشكول من روعهم وقال "إذا كان الأمر كذلك، فهذا ليس أمرًا فظيعًا. يمكننا دائما أن نحصل على كل القمح الذي نحتاجه من الأمريكيين".

كان ذلك قبل نحو خمسين سنة. منذ ذلك الحين لم يتغيّر شيء. الانتخابات في الولايات المتحدة، التي ستجرى بعد عشرة أيام، أهم بالنسبة لنا بكثير من الانتخابات لدينا في البلاد، بعد ثلاثة أشهر.

كان عليّ مرة أخرى أن أسهر حتى الساعة الثالثة فجرا لمشاهدة البث الحي للمواجهة الرئاسية الأخيرة. خفت أن أغفو، ولكن ذلك لم يحدث. بل على العكس.

حين يلعب شخصان لعبة الشطرنج، يوجد أحيانا شخص ثالث- يطلق عليه اسم "كابيتسر" - وهو يجلس خلف أحد اللاعبين ويملي عليه النصائح التي لم يطلبها أحد منه. أنا أفعل الأمر ذاته في المواجهات الرئاسية. وكأنني أجلس خلف براك أوباما وأفكر بالإجابة الصحيحة لخصمه، قبل أن يجد أوباما نفسه متسعا من الوقت لفتح فمه.

أعترف أنه في الكثير من الأحيان كانت إجاباته هو أفضل من إجاباتي. مثلا، لم تكن لديّ إجابة قاطعة حيال ادعاء ميط روماني بأن لدى سلاح البحرية الأمريكي اليوم عدد أقل من السفن مما كانت لديه قبل مئة عام. كانت إجابة أوباما الجافة - أن لجيش الولايات المتحدة يوجد اليوم عدد أقل من الخيول - إجابة عبقرية. ولم يكن بمستطاعه تحضيرها مسبقا. من كان يتوقع مثل هذا الادعاء الغبي؟

كذلك الأمر حين هاجم روماني أوباما لتخطيه إسرائيل في جولته الرئاسية الأولى في منطقتنا. كيف تكون الإجابة على هذا الادعاء الصحيح، وخاصة حين يستمع آلاف المتقاعدين اليهود في فيلادلفيا كل كلمة؟

لقد وجد أوباما النبرة الصحيحة. وقال أنه خلافا لروماني، الذي زار البلاد برفقة حاشية كبيرة من المتبرعين اليهود (لم يذكر اسم شلدون إدلسون وأمثاله) فقد وصل هو، أوباما، إلى البلاد كمرشح، لزيارة "ياد فاشيم" وليرى بأم عينيه فظائع الكارثة.

في بعض الأحيان كانت تبدو إجابتي أفضل. مثلا، حين حاول روماني أن يشرح مقولته أن روسيا هي "العدو الجيو-سياسي" رقم واحد للولايات المتحدة. كنت سأرد: "اعذر لي جهلي، سيدي الحاكم، ولكن ما معنى كلمة "جيو-سياسي"؟ كانت هذه مقولة لغوية منفوخة.

("الجيو-سياسي" ليست مجرد ربط بين الجغرافيا والسياسة. هذه وجهة نظر نشرها البروفيسور الألماني هنس هاوسهوبر، وتبناها هتلر كتبرير لخطته في خلق "مجال عيش" للشعب الألماني عن طريق طرد وإبادة السكان في أوروبا الشرقية).

لو كنت أوباما، لكنت أتحدث كثيرا عن الحروب. فيتنام لنيكسون، العراق للبوشين، أفغانستان للبوش الثاني. انتبهت إلى الحقيقة أن أوباما لم يذكر أنه اعترض على الحرب على العراق منذ البداية. لقد نصحوه على ما يبدو بأن هذا غير مستحسن.

لم تكن هنالك حاجة لأن يكون المرء خبيرا ليعرف أن روماني لم يطرح أية فكرة أصلية جديدة واحدة خاصة به. لقد كرر مواقف أوباما مثل الببغاء، من خلال تغيير كلمة واحدة أو كلمتين هنا وهناك.

في مرحلة سابقة من المعركة، في أيام الانتخابات التمهيدية، لم يكن يبدو كذلك. في ذلك الوقت كان روماني يتملق أمام منتخبي اليمين المتطرف وطالب بقصف إيران، بمواجهة الصين، بمحاربة الإسلاميين من كل الأنواع والأصناف، وربما حتى إعادة بعث أسامة بن لادن من جديد ليقتله مرة أخرى. في هذه المرة لم يُسمع روماني أي شيء من هذه الأمور. ما قاله فقط هو "أنا أوافق مع الرئيس".

لماذا؟ لقد قالوا له أن الشعب الأمريكي قد سئم من حروب بوش. إنه لم يعد يرغب بذلك. ليس في أفغانستان، وبالتأكيد ليس في إيران. الحرب تكلف المال، والكثير من المال. وفي بعض الأحيان يُقتل فيها أشخاص أيضا.

من المحتمل أن روماني قد قرر مسبقا أنه يكفيه ذلك كي لا يبدو كجاهل في الشؤون الخارجية. كان ميدان معركته الأساسي هو المجال الاقتصادي. فكان يأمل أن يكون أكثر إقناعا من أوباما في ذلك المجال. لذلك ذهب إلى ما هو مضمون. "أنا أوافق مع الرئيس..."

كل مفاهيم المواجهة الرئاسية حول الشؤون الخارجية هي بطبيعة الحال أمور تافهة. إن شؤون العالم أكثر تعقيدا والألوان دقيقة أكثر بكثير من أن تتم معالجتها بهذه الخشونة. إن الأمر أشبه بإنجاز عملية قلب في الحنجرة.

كان من السهل تلقي الانطباع بأن العامل ما هو إلا ملعب غولف أمريكي، يمكن للولايات المتحدة فيه أن تدفع الشعوب كالكرات هنا وهناك، والسؤال فقط هو مَن مِن اللاعبين هو الأكثر براعة، ومن ذا الذي يختار المضارب الأفضل. إن رغبات الشعوب ذاته غير هامة. من ذا الذي يهتم بما يشعر به الصينيون، الباكستانيون أو المصريون؟

أنا غير واثق من أن أغلبية الأمريكيين يمكنهم أن يجدوا دولة تونس على الخارطة. لذلك لا حاجة إلى النقاش حول القوى العاملة هناك، التمييز بين السلفيين والإخوان المسلمين، تفضيل هؤلاء أو هؤلاء - وكل ذلك بأربع دقائق.

يبدو أنه من وجهة نظر روماني، كل المسلمين سواسية. إن كراهية الإسلام أصبحت الآن في الموضة، وروماني يمتطي هذه الموضة. وكما ذكرت سابقا، فإن رهاب الإسلام ما هو إلا صبغة جديدة للا سامية القديمة والعتيقة. إنها تنهل من نفس مجارير اللا وعي الجماعي، وتستغل الآراء المسبقة ذاتها. إنها توجّه ببساطة نفس الكراهية ضد المسلمين التي تم توجيهها ضد اليهود في الماضي.

إن يهودًا كثيرين، وخاصة المسنين منهم في دور المسنين في فلوريدا الحارة، مسرورون لكون غير اليهود يختارون لهم ضحايا أخرى. ولكون الضحايا الجدد هم في هذه الحالة من أعداء دولة إسرائيل المحبوبة، فهذا أمر جيد. لقد قرر روماني، على ما يبدو، أن الطريقة الأسهل لكسب أصوات اليهود هي إنزال غضبه على "الإسلاميين".

في محاولته ليبدو أكثر صلابة من أوباما، طرح روماني، على الرغم من ذلك، فكرة أصلية: توفير "أسلحة ثقيلة" للمتمردين في سوريا. ماذا مثلا؟ مدافع؟ طائرات صغيرة من دون طيار؟ صواريخ؟ حسنا، ولكن لمن؟ للشباب الطيبين، بطبيعة الحال، والاهتمام في أن لا تسقط المدافع بين أيدي الشباب الشريرين.

يا لها من فكرة لامعة! ولكن، من فضلكم، من هم الشباب الطيبون ومن هم الشريرون؟ يبدو أن لا أحد يعلم. لا السي آي إيه ولا الموساد أيضا. هنالك عشرات المجموعات السورية التي تستند إلى شراكة إقليمية، دينية أو أيديولوجية. كلها تريد قتل الأسد. إذن من الذي سيحصل على المدافع؟

كل هذا يمنع وجود نقاش جدي حول الشرق الأوسط، الذي أصبح الآن يغلي من العدد اللا نهائي من التوجهات والألوان المختلفة. لقد اعتقد أوباما، وهو الشخص الأكثر إلماما من خصمه في هذا الموضوع، أنه من الأفضل له أن يبدو شخصا بسيطا وأن يخرج من فمه مقولات فارغة من أي مضمون. كل شيء آخر - مثل خطة السلام الإسرائيلي-الفلسطيني، لا سمح الله، - يمكن أن تمس بسكان إحدى دور المسنين التي يمكن لها أن تحسم الصراع في فلوريدا.

كان من شأن كل يهودي جدي وكل عربي جدي أن يشعر بالإهانة من الشكل الذي عالجنا فيه هذان الشخصان، حيث سيكون أحدهما سيدنا عما قريب.

تم ذكر دولة إسرائيل في المواجهة 34 مرة - 33 مرة أكثر من أوروبا، 30 مرة أكثر من أمريكا اللاتينية، خمس مرات أكثر من أفغانستان وأربع مرات أكثر من الصين. إيران فقط هي التي تم ذكرها أكثر من - 45 مرة بالضبط- ولكن كان ذلك دائما في سياق الخطر الذي تشكّله على إسرائيل.

حسب أقوال كلا المرشحين، إسرائيل هي حليفتنا الأهم في المنطقة (أو في العالم؟). نحن سنحميها بكل ثمن. سنوفر لها الأسلحة التي تحتاج إلها (وكذلك الأسلحة التي لا تحتاج إليها).

رائع. رائع جدا. ولكن عن أي إسرائيل يتحدثون؟ إسرائيل الاحتلال اللا نهائي؟ إسرائيل توسيع المستوطنات من دون حدود؟ إسرائيل انتزاع حقوق الفلسطينيين بشكل تام؟ إسرائيل التي تمطر قوانين مناهضة للديموقراطية؟

أم ربما إسرائيل أخرى، ليبرالية وديموقراطية، توجد فيها مساواة بين كل المواطنين، دولة إسرائيل تسعى إلى السلام وتعترف باستقلال الفلسطينيين؟

ليس ما قيل هو الأمر الذي يثير الاهتمام، بل ما لم يُقال. ليس مساندة تلقائية للهجوم الإسرائيلي على إيران. وليس حرب ضد إيران أبدا، بل بعد مجيء المسيح المنتظر. لا يوجد أي تكرار لوعد روماني السابق في نقل السفارات الأمريكية إلى القدس. ولا عفو لجوناثان بولارد.

ولم يتم الحديث أبدا عن استخدام قوة الولايات المتحدة الهائلة وأوروبا لفرض حل "الدولتين لشعبين"، وبذلك التوصل إلى سلام وأمن، على الرغم من أن الجميع يوافقون على أنه هذا هو الحل العملي الوحيد. لا يوجد أي ذكر لمبادرة السلام العربية، التي ما زالت مقترحة من قبل 23 دولة عربية، بما فيها "الإسلامية".

الصين، وهي القوة العالمية النامية، تم ذكرها بشكل يكاد يكون مشمئزًا. يجب أن يقولوا لها كيف تتصرف. عليها أن تفعل كذا وكذا، أن توقف مناوراتها في عملتها، أن تعيد أماكن العمل إلى أمريكا.

لماذا يتصرف الصينيون بهذا الشكل؟ فهم يسيطرون على الدين الوطني للولايات المتحدة. غير مهم. يجب عليهم أن يفعلوا ما تقوله أمريكا لهم. (وكما اعتاد الكاثوليكيون على القول: "روما قالت، انتهى الأمر").

لم يكن النقاش جديًا بل كشف النقاب عن مشكلة جدية جدا.

لقد اعتاد الفرنسيون على القول: "الحرب هي شأن أهم من أن يبقى بين أيدي الجنرالات". من المؤكد أن السياسة العالمية أهم بكثير من أن يتم إبقاؤها بين أيدي السياسيين. السياسيون ينتخبهم الجمهور - والجمهور لا يعرف شيئًا.

لقد توخى المرشحان الحذر الشديد لعدم الدخول في التفاصيل التي تتطلب من المشاهدين حد أدنى من المعرفة. إن 1.5 مليار مسلم ينقسمون- حسب رأي المرشحين - إلى نوعين فقط: "المعتدلون" و"الإسلاميون". إسرائيل هي كتلة أحادية، لا توجد فيها فروق. ما الذي يعرفه المشاهدون عن 3000 سنة من الحضارة الفارسية؟ صحيح، روماني يعرف - لدهشتي الشديدة- ما هذا وما هي مالي. معظم المشاهدين لا يعرفون.

ولكن هؤلاء المشاهدين هم الذين سيقرروا، في نهاية الأمر، من الذي سيقود الدولة العسكرية الأكبر في العالم، قوة عظمى لها تأثير هائل على سائر العالم.

وكما قال وينستون تشرتشل: "الديموقراطية هي شكل الحكم الأسوأ، فيما عدا كافة أشكال الحكم التي تمت تجربتها بين حين وآخر".

هذا ما تثبته هذه المواجهة.