اوري افنيري 

الوحش الشرقي / أوري أفنيري


استوعب أصحاب الأذن السياسية الحساسة في الأيام الأخيرة كلمتين تفوه بهما بنيامين نتنياهو، وكأنهما كلمتان عشوائيتان: "الجبهة الشرقية".

هاتان الكلمتان كانتا تحملان ذات مرة أهمية كبيرة، في ثروة الاحتلال اللغوية. في السنوات الأخيرة علاهما الغبار في مخزن الخردة.

كلمتا "الجبهة الشرقية" نشأتا بعد حرب حزيران. لقد أتى هذا المصطلح ليضع مفهوما استراتيجيا مفاده أن نهر الأردن هو "الحدود الأمنية" لدولة إسرائيل.

النظرية: ثمة إمكانية بأن تتحد ثلاثة جيوش عربية - جيوش العراق، سوريا والأردن، في المنطقة الواقعة شرقي نهر الأردن،وأن تقطع النهر وأن تهدد كيان دولة إسرائيل. سيتوجب علينا إيقاف هذه الجيوش قبل أن تتمكن من الدخول إلى البلاد. لذلك يجب أن يشكل غور الأردن قاعدة دائمة للجيش الإسرائيلي، ويجب عدم الانسحاب من هناك بتاتا.

كانت هذه النظرية مشكوك بأمرها منذ البداية. بهدف التأهب لحملة كهذه، يتوجب على الجيش العراقي أن يتمركز، أن يعبر الصحراء، وأن ينتشر في الأردن. إنها حملة لوجستية طويلة ومعقدة، إذ كان يمكنها أن تمنح الجيش الإسرائيلي الإمكانية والوقت لضرب العراقيين قبل وقت طويل من بلوغهم ضفاف النهر. كان من الأسهل بكثير على الجيش السوري أن يهاجم إسرائيل في هضبة الجولان من أن ينزل جنوبا ويهاجم من الشرق. وأما الأردن فقد كانت الأردن دائما شريكا خفيا - لكن وفيا - لدولة إسرائيل (باستثناء الفصل القصير من حرب حزيران).

لقد تحولت هذه النظرية في السنوات الأخيرة إلى سخرية بشكل واضح. لقد غزى الأمريكيون العراق وشتتوا جيش صدام حسين العظيم، الذي اتضح أنه نمر من ورق. عقدت المملكة الأردنية الهاشمية اتفاقية سلام رسمية مع إسرائيل. تلوّح سوريا في كل فرصة بأنها تتوق إلى السلام إذا أعادت لها إسرائيل هضبة الجولان. لا يُتوقع أي خطر على إسرائيل من جاراتها الشرقية.

نعم، يمكن للأوضاع أن تتغيّر. أنظمة الحكم تتغيّر، التحالفات تتغيّر. ولكن لا يمكن أن يخطر ببال وضع يعود فيه بعث كابوس تتمركز فيه جيوش ثلاثة في الأردن وتجتاح بلاد كنعان، كما حدث مع بني إسرائيل في الرواية التوراتية.

أضف إلى ذلك أن فكرة الهجوم البري، على شاكلة الحرب السريعة النازية في الحرب العالمية الثانية، قد طواها التاريخ. ستلعب الصواريخ بعيدة المدى، في الحرب المستقبلية، دورا مركزيا. يمكن أن نصف أعضاء غرفة العمليات الإسرائيلية في غور الأردن مستلقين على مقاعد مريحة وينظرون إلى الصواريخ التي تتطاير فوق رؤوسهم في كلا الاتجاهين.

إذن، ما لها هذه الفكرة الحمقاء تنطلق من جديد؟

ربما يجدر بنا أن نعود 43 عاما إلى الوراء، لكي نفهم كيف وُلدت هذه الفزّاعة.

بعد ستة أسابيع فقط من حرب حزيران، وُلد "برنامج ألون". طرح يغئال ألون، وزير العمل آنذاك، البرنامج على الحكومة. لم تتم الموافقة عليه بشكل رسمي، ولكن كان له تأثير كبير على قيادة الدولة.

لم يتم رسم أية خارطة متفق عليها لهذه الخطة ذات مرة، ولكن تفاصيلها كانت معروفة. لقد اقترح ألون ضم غور الأردن إلى إسرائيل وكذلك شاطئ البحر الميت. كانت ستتحول كل الضفة الغربية تقريبا إلى قطاع معزول، تحيط به دولة إسرائيل من كافة الجهات. كان من المزمع أن يشكل ممر ضيق في منطقة أريحا ارتباطا بين الضفة والمملكة الأردنية. لقد اقترح ألون أيضا ضم مناطق معينة من الضفة إلى إسرائيل، وكذلك شمال سيناء ("منطقة رفح") وجنوب قطاع غزة ("غوش قطيف").

لم يكن يهمه إذا تمت إعادة الضفة الغربية إلى الأردن أو إذا شكلت كيانا فلسطينيا منفردا. لقد هاجمته ذات مرة من على منصة الكنيست لأن خطته تسحب البساط من تحت أقدام الدولة الفلسطينية التي أيّدت إقامتها. حين عدت إلى مكاني، أرسل ألون إليّ بطاقة: "أنا أؤيد دولة فلسطينية في الضفة. إذن، فيما أقل عنك في الدعوة إلى السلام؟"

صحيح أن الخطة قد تم عرضها كخطة أمنية، ولكن دوافعها كانت مختلفة تماما.

كنت ألتقي، في تلك الفترة، بألون بشكل دائم، وكانت لدي فرصة لمتابعة أنماط تفكيره عن كثب. لقد كان أحد القادة المتميّزين في حرب عام 1948، وكان يُعتبر أنه ملم في أمور الجيش، ولكنه كان فوق كل ذلك من أفراد حركة الكيبوتس الموحّد، وهي حركة استيطانية كانت لا زالت تملك قوة تأثير كبير في الدولة.

فور احتلال الضفة الغربية، اجتاح أفراد حركة الكيبوتسات مناطق الأراضي المحتلة، وبحثوا عن أراض تلائم الاستيطان الزراعي المعاصر. وبشكل طبيعي اجتذبهم غور الأردن. فمن ناحيتهم، كانت هذه المنطقة منطقة مثالية لإقامة كيبوتسات جديدة: كانت تحتوي على مياه وفيرة، وكانت الأرض منبسطة من أجل المعدات الزراعية المعاصرة، وبالأساس - كان عدد السكان فيها قليل. كل هذه المعطيات كانت تنقص سائر أراضي الضفة الغربية: كان هناك اكتظاظ سكاني، والمنطقة هي منطقة جبلية والمياه شحيحة.

كانت خطة ألون كلها، حسب رأيي، نتيجة الطمع الزراعي، والنظرية العسكرية لم تأت إلا لتوفير ذريعة أمنية مريحة لها. وبالفعل، فقد كانت النتيجة المباشرة هي إقامة عدد كبير من الكيبوتسات والموشافيم في غور الأردن.

مرت سنوات إلى أن تم اجتياز حدود خطة ألون وقد اجتاحت حركة الاستيطان الضفة الغربية بأكملها.

لقد خلّفت خطة ألون وراءها فزّاعة "الجبهة الشرقية"، ومنذ ذلك الحين هي تواصل تهديد كل من يؤيد السلام. وهي تروح وتجيء كشبح، تنظر وتختفي، تارة بهذا الشكل وطورا بشكل آخر.

لقد طالب أريئيل شارون ضم منطقة الغور الموسّعة. يمتد الغور ذاته على طول 120 كيلومترا، من بحيرة طبريا وحتى البحر الميت، ولكن عرضه يبلغ نحو 15 كيلومترا فقط. لقد طالب شارون، بشكل يكاد يكون قهريا، ضم "غاف ههار" إليها، الأمر الذي كان سيوسّعها أكثر بكثير.

حين تبنى شارون خطة جدار الفصل، كان من شأن هذه الخطة أن تفصل أيضا بين الضفة الغربية وغور الأردن. لقد كان هذا ملائما لما كان يُدعى "خطة ألون بلوس". كان الجدار سيطوّق الضفة الغربية كلها، من دون ممر أريحا الذي اقترحه ألون. لم يخرج هذا الأمر إلى حيّز التنفيذ حتى الآن، سواء بسبب المعارضة الدولية أو بسبب مشاكل مالية.

منذ اتفاقية أوسلو، أصرت معظم حكومات إسرائيل على بقاء غور الأردن بين أيدي إسرائيل في أية اتفاقية سلام محتملة. يتجسد هذا الأمر في تمويهات مختلفة: فمرة يجري الحديث عن "حدود أمنية"، ومرة عن "محطات إنذار"، ومرة عن "معسكرات جيش"، ومرة عن "استئجار طويل الأمد" - كل ذلك كما يمليه الخيال المُبعد لدى رؤساء الحكومات على اختلافهم. القاسم المشترك هو: يبقى غور الأردن تحت السيطرة الإسرائيلية.

يأتي نتنياهو الآن ويعيد مصطلح "الجبهة الشرقية" إلى الحياة من جديد.

أي جبهة شرقية هذه؟ أي تهديد متوقع على إسرائيل من جاراتها الشرقية؟ أين هو صدام حسين؟ أين هو حافظ الأسد؟ هل سيبعث محمود أحمدي النجاد أسلحة المدرعات التابعة للحرس الثوري إلى غور الأردن؟

إذن أقول ما يلي. سوف يترك الأمريكيون العراق في يوم من الأيام. وعندها سيقوم وريث لصدام حسين، وفي هذه المرة سيكون زعيما شيعيا، وسيتقرّب من إيران الشيعية، ومن تركيا الخائنة، وكيف يمكن الاتكال على ملك الأردن الذي يحتقر نتنياهو؟ تبدو أن الأمور قد تحدث، إذا لم تحرس فرق جولاني ضفة نهر الأردن!

يبدو شكل هذه الأمر سخيف. إذن، ما هو القصد الحقيقي؟

كل العالم منشغل الآن بمطالبة الأمريكيين الشروع بمفاوضات بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية. وكأن السلام العالمي منوط بتحويل "محادثات التقارب" إلى "محادثات مباشرة". لم تُسكب ذات مرة كمية كهذه من الكلمات المداهنة حول أمر سفيه كهذا.

إن "محادثات التقارب" تدور منذ عدة أشهر. ليس من الصحيح القول أن النتائج تكاد تصل إلى لا شيء. بل هي لا شيء بالفعل. لا شيء أبدا. إذن ماذا سيحدث لو جلس الطرفان معا في غرفة واحدة؟ يمكن أن نتنبأ ذلك بثقة تامة: لا شيء إضافي. بانعدام وجود إرادة أمريكية لفرض الحل، لن يكون هناك حل.

إذن لماذا يُصر براك أوباما؟ ثمة سبب واحد فقط: لقد فشلت سياسته كلها في الشرق الأوسط، وهو بحاجة ماسة إلى إنجاز ما. لقد وعد بالانسحاب من العراق، وأما الوضع هناك فلا يسمح بذلك. الحرب في أفغانستان تتدهور من السيئ إلى الأسوأ، جنرال يأتي وجنرال يذهب، والنصر آخذ بالابتعاد. هناك من أصبحوا يرون اليوم الذي سيستقل فيه آخر الجنود الأمريكيين متن المروحية الأخيرة على سطح السفارة الأمريكية في كابول.

ما تبقى هو النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني. يقف أوباما، هنا أيضا، أمام طريق مسدود. لقد كان يأمل في إحراز الكثير من دون أن يبذل أي جهد، وقد هزمه اللوبي الإسرائيلي. وليغطي العار، إنه بحاجة إلى شيء ما يمكن أن يعرضه على الجمهور الغاضب وكأنه إنجاز أمريكي كبير. تجديد "المحادثات المباشرة" يمكن أن يشكل نصرا كهذا.

أما بالنسبة لنتنياهو، فإن الوضع القائم بالذات مريح له. تدعو إسرائيل إلى الشروع بمحادثات مباشرة، والفلسطينيون يرفضون. تمد إسرائيل يدها إلى السلام، والفلسطينيون يرفضون. أبو مازن يطالب إسرائيل بمواصلة تجميد المستوطنات وأن تعلن مسبقا بأن المفاوضات سترتكز على حدود عام 1967.

ولكن الأمريكيين يضغطون على أبي مازن، ونتنياهو يتخوف من إذعان أبي مازن لهم. لذلك فهو يعلن أنه لا يستطيع تجميد المستوطنات، لأن في ذلك كارثة! - سيتم حلّ الائتلاف. وإذا لم يكن هذا كافيا، فها لكم - عمل سحري! - تعود وتظهر الجبهة الشرقية من جديد. تبلغ حكومة إسرائيل الفلسطينيين أنها لن تتخلى عن غور الأردن.

وبهدف التشديد على هذه النقطة، بدأ نتنياهو هذا الأسبوع بإبعاد السكان الفلسطينيين الذين بقوا في الغور، وهم بضعة آلاف. هذه حملة تطهير عرقي. لقد تم محو قرية فريسية عن وجه الأرض، وقد تم هدم المنازل وخاصة منشئات المياه. إن هذا يشبه الحملة الموازية التي تدور رحاها الآن ضد البدو في النقب.

ما يقوله نتنياهو لأبي مازن هو: من الأجدى لك أن تفكر مرة أخرى فيما إذا كنت مستعدا للدخول في "مفاوضات مباشرة".

يهبط غور الأردن إلى أكثر مناطق العالم انخفاضا على وجه الأرض، وهو البحر الميت المسمّى أيضا بحر الموت.

إن اختراع الجبهة الشرقية سيشير، على ما يبدو، إلى أكثر الأماكن انحطاطا في سياسة نتنياهو، التي تهدف إلى إماتة أي إمكانية للسلام.