اوري افنيري 

فارس على جواد رمادي / أوري أفنيري


يا الهي، ما الذي يحدث للفارس على الجواد الأبيض؟

كثيرون من المعجبين بـ "باراك أوباما" أصابتهم الدهشة هذا الأسبوع فقد غلبت فكرة أن النقود التي تكدست في صندوق الحملة الانتخابية لم يكن مصدرها ما تبرع به الأشخاص المجهولون الذين ُطلب منهم عبر الانترنت تحرير شيكات بمبالغ صغيرة قيمتها 100 أو 200 دولار.

وها قد اتضح، جليا، أن جزءا كبيرا من تلك الملايين كان مصدرها متبرعين كبار جدا ـ الشركات الضخمة ذاتها، مدرائها جماعاتها الضاغطة، الذين شوهوا وأفسدوا النظام الديمقراطي في العمليات الانتخابية السابقة كذلك. أولئك يتبرعون، في ذات الحين، بسخاء لكل المرشحين، من اليمين ومن اليسار وبهذا يكونون دائما مع الجهة المنتصرة.

أوباما وعد بوضع حد للسياسة الفاسدة القديمة. وها هو يثبت أنه جزء من ذلك النظام الفاسد.

والإحباط الكبير.

بالنسبة لمن يعيش في عالم الواقع لا يمكن أن يشعر بالإحباط لدرجة كبيرة.

الحملات الانتخابية العصرية بمثابة وحش ضار لا يعرف الشبع أبدا فهي تبتلع مبالغ هائلة وطائلة. ومن كان مقتنعا، قناعة ساذجة، أن مثل تلك المبالغ الهائلة يمكن جمعها من متبرعين صغار، فهو انما يتوهم فذلك غير ممكن. ليس بعد.

صحيح أن أوباما تلقى التبرعات من مواطنين عاديين جيدين، وذلك تقدم هام. ولكن، لو أنه رفض تلقي التبرعات من المتبرعين الكبار، والذين لا بد أنهم متبرعون فاسدون، كان سيضطر للتخلي عن الترشيح مباشرة. كان حينها ليغرق في بحر الاعلام التلفزيوني المسموم الذي يوظفه عدوه.

الولايات المتحدة دولة ضخمة، وكل تغير هام في أجهزتها يتطلب سنوات طويلة ـ ان لم يتطلب أجيالا. قائد واحد بامكانه أن يغير القليل ـ ان استطاع تغيير شيء أساسا.

السياسي الحقيقي هو انسان لا يبدو كسياسي حقيقي. أوباما هو سياسي حقيقي. ليس فارسا على جواد أبيض. هو، على أكثر تقدير، فارس على جواد رمادي.

انما هنالك درجات لونية كثيرة للون الرمادي. هنالك رمادي فاتح ورمادي غامق.

مقابل القول السائد، كثير الاستهلاك، بأن الفارق بين المرأة والرجل هو فارق بسيط، هنالك رد فرنسي على ذلك وهو: "المجد للفارق البسيط!".

كم من الصعب تخمين حجم الفارق الذي سيكون بين الرئيس باراك أوباما وبين الرئيس جون ماكين. لكن، ليس أن هذان هما من ينتخبان فقط مع تبديل الرؤساء، في الولايات المتحدة، بل أن هنالك الآلاف من المسؤولين الكبار الذين يتبدلون. يكفي التذكير بأن من صلاحية الرئيس تعيين القضاة الكبار. بعد ثمان سنوات من فترة حكم الرئيس أوباما ستكون المحكمة العليا مختلفة تماما عما ستكون بعد ثمان سنوات من حكم الرئيس ماكين. وذلك فارق كبير جدا.

لذا، تلك الجملة التهكمية "جميعهم متشابهون" ليست في مكانها. هنالك فارق.

لذا، ان تلاشت بعض الأوهام لدى محبي ذلك الفتى العجيب الأسود، وعادوا جميعهم الى العالم الواقعي، من الأفضل أن تحكم اختياراتهم أدوات واقعية.

من هذه الناحية هنالك تشابه ملفت بين الحملة هناك في الولايات المتحدة وهنا في إسرائيل. ان كان هناك من يتحدث عن ماكيني وأوباما يمكن هنا الحديث عن موفاز وليفني.

تسيبي ليفني تتنافس مع شاؤول موفاز على قيادة "كديما"، وفي الواقع، على رئاسة الحكومة بعد انصراف ايهود أولمرت.

هنا أيضا يوجد ما يبرر الحكم بأن "الجميع متشابهون". ما الفارق بين الاثنين؟

يبدو أنه قيل وكتب الكثير عن ذلك: كل المرشحين (الاثنان الآخران كذلك)، جميعهم يتهيأون للانتخابات التمهيدية، لحزب "كديما"، بدون تقديم أي برنامج ومن غير تقديم أي حلول للمشاكل الهامة، بدون إعطاء أي اجابات على الأسئلة المصيرية التي تواجه الدولة.

اذا، يوجد أو لا يوجد فارق بينهما؟ بالتأكيد هنالك فارق وهو الفارق البسيط ذاته.

موفاز لديه خبرة كبيرة. ليفني عديمة الخبرة، تقريبا لكن، من الصعب معرفة ما هو الأسوأ.

موفاز شغل منصب رئيس الأركان، وزير المواصلات. وفي كل المناصب التي شغلها كان يميزه أمر واحد ووحيد: أنه لم يتميز بأي شيء، ففي كل تلك المناصب كان أداؤه اما متوسطا أو دون المستوى.

لم يسبق أن فعل شيئا قد يسجل في تاريخ دولة إسرائيل. نصره الوحيد هو الذي حققه على مخيم اللاجئين في جنين خلال العملية الفاخرة التي أسماها "الجدار الأمني"، أكبر هجوم لجيش من الجيوش القوية في العالم على بعض المجموعات من الشبان المسلحين بالمسدسات وبعض البنادق.

لم يحدث أن تقدم يوما بفكرة خلاقة. لا أحد يذكر أبدا ولو جملة واحدة قالها غير: "الليكود هو البيت، والبيت لا يهجر!" وفي اليوم التالي ترك حزب الليكود وقفز على عربة حزب "كديما".

أمام تلك "الخبرة" الواسعة التي يتحلى بها موفاز يبرز، حقيقة، انعدام الخبرة لدى ليفني. ان كان موفاز هو ورقة مليئة بنص سيء فـ "ليفني" هي ورقة بيضاء فارغة تماما.

عُرفت ليفني، بداية، على أنها اعتلت، بمرحلة متقدمة، عربة شارون، الأمر الذي يشير على حس سياسي حاد جدا. شغلت بعض المناصب البسيطة، ووصلت أخيرا الى وزارة الخارجية. منصب وزير الخارجية في اسرائيل، كما في بلاد أخرى هو أكثر المناصب المرغوبة: ببساطة، لا يمكن للمرء أن يفشل به. يتواجد أصحاب هذا المنصب تحت الأضواء كثيرا، وتلتقط لهم الصور في محافل دولية ذات أهمية، يستضيفون ضيوفا مرموقين ولا يعرف الكثيرون أن السياسة الخارجية يقررها الرئيس (في الولايات المتحدة وفرنسا) أو رئيس الحكومة (في بريطانيا وإسرائيل).

مرة كل بضع مرات تلتقي ليفني مع أبو علاء، الممثل الفلسطيني، من أجل طحن الماء في مطحنة المفاوضات الوهمية. خلال عام لم يتم الاتفاق على بند واحد من ضمن "المعاهدة الموضوعة في الدرج" العبثي الذي يدور الحديث عنه. بهذا الايقاع قد يحل السلام بعد مائة أو مائتي عام.

أين يقف كل من موفاز وليفني من ناحية سياسية؟ بالنسبة لموفاز لا يوجد أدنى شك: هو مشبع بالروح الحربية الى أبعد الحدود، رجل اليمين بكل ما للكلمة من معنى، متزلف للمؤسسة الدينية، صديق المستوطنين. ولايته سوف تؤمن، في أحسن الأحوال، جمود تام في الحقل السياسي، مع زيادة رقعة الاستيطان. باختصار: حرب أبدية.

بالنسبة لـ "ليفني" لا أحد يعرف ما الذي تفكر به فعلا: في المدة الأخيرة حاولت أن تتفادى أولمرت ـ مرة من اليمين ولكن، مرة أيضا من اليسار. ككل وزير خارجية تقريبا، تظهر الآن حالة من التروي والسكون. ذلك يأتي من المنصب. قبل سنوات ليست بالبعيدة، رغم ذلك، تحدثت عن "مجرمي أوسلو" ولكنها الآن تتحدث عن دولتين بقوميتين، ترسم صورة دولة يهودية ديموغرافية. كل تلك ليست الا شعارات قديمة ومختبرة. كرئيسة للحكومة يمكنها أن تفاجىء بأي اتجاه كان. لا أحد يعرف.

هناك من سيقولون: نحن نعرف موفاز، ولهذا لن نختاره. ليفني لا نعرفها بعد، اذا، سنمنحها فرصة. في الاختيار بين هذين المرشحين ليفني مفضلة أكثر.

عن الانتخابات التمهيدية في حزب "كديما" يمكن القول أنها محض نكتة مغلفة بمسرحية هزلية داخل ملهاة (وليغفر لي تشرتشل موضوع الصياغة الأخرى).

سنبدأ من "كديما" ذاته ـ فهو ليس حزبا، لا برنامج له، ليس لديه قاعدة جماهيرية، وكل مؤسساته وهمية.

حين انسحب أريئيل شارون من الليكود وأعلن عن تأسيس حزب جديد، جاء اليه اللاجئون من كل الأحزاب، كل من اعتقد أنه ليس لديه أي فرصة بالتقدم ضمن حزبه. في اختبار للانتهازية من كل الأحزاب، اتحدوا! شمعون بيرس وحايم رامون من حزب العمل، أولمرت، ليفني، مائير شطريت، وفي آخر لحظة موفاز، من الليكود. لم يكن بينهم أي شيء مشترك، ما عدا الايمان بأنهم ان تمسكوا بأطراف ثوب شارون سيصلون الى الكنيست والى الحكومة.

فقط لاحقا، بعد فترة طويلة، ظهر شيء والذي يبدو (مع القليل من الخيال) كحزب. السياسيون جلبوا الأصدقاء، زعماء القبائل جندوا الهنود. متعهدو الأصوات جلبوا مئات وآلاف من مرتزقة صناديق الاقتراع، كتل كاملة من المواطنين. أولئك هم السبعين ألف "المنتسبين". هم أنفسهم الذين سينتخبون في الانتخابات التمهيدية رئيس الحزب الذي سيصبح بشكل أوتوماتيكي رئيس الحكومة.

ذلك محض نموذج هزلي، كاريكاتيري لنظام ديمقراطي وهو يؤكد تعريف وينستون تشرتشل: "الديمقراطية هي طريقة الحكم الأسوأ، ما عدا باقي الطرق التي تم تجريبتها بين حين وآخر."

ورغم ذلك، التفكير بأن بضع مئات من الأصوات المشتراة هي التي ستحدد من سيكون رئيس الحكومة هو شيء مريع للغاية.

كل استطلاعات الرأي تشير أن ليفني لديها أفضلية كبيرة جدا على موفاز بين الجمهور العام، ولديها فرصة بأن تنجح بانتخابات الكنيست ـ وأنقاذ "كديما" ولكن، موفاز لديه أفضلية كبيرة في الانتخابات التمهيدية في "كديما" بواسطة كتل الأصوات الكبيرة التي تم شراؤها من قبل المتعهدين. وعد موفاز بتأليف تحالف يميني، وطني، ديني في الكنيست الحالية، بحيث لا تكون هناك حاجة لانتخابات الكنيست قبل 2010.

وماذا عن السلام؟ الاحتلال؟ السياسة الاقتصادية؟ المشاكل الاجتماعية؟ التعليم؟ الصحة؟