اوري افنيري 

كابوس مستمرّ / أوري أفنيري


يبدو أن بنيامين نتنياهو تعب من الجميع. مثل سارلي (لقب سارة نتنياهو)، تلك التي يدها في كل شيء.

قبل سبعة أسابيع فقط، كان نتنياهو المنتصر الأكبر. بخلاف جميع الاستطلاعات، فقد حقّق فوزا مفاجئا في اللحظة الأخيرة وحصل على 30 مقعدًا. لقد أبقى حزب العمل (المعروف أيضًا باسم "المعسكر الصهيوني") بعيدا خلفه.

الحقيقة هي أن المقاعد الأخرى لم تأت إليه من اليسار. فقد جاءت من الأحزاب المنافسة في اليمين.

كان ذلك انتصارا شخصيا كبيرا. كان نتنياهو في أحلام اليقظة. سطعت سارلي من السرور. لم يكن لدى نتنياهو شكّ: من الآن هو الحاكم. من الآن هو من سيُحدّد النظام كما يشاء.

هذا الأسبوع تبدّلت الأحوال. في الساعات الأخيرة تماما من الفترة التي خُصّصت له وفقا للقانون من أجل تشكيل حكومته الجديدة كان نتنياهو مصابا باليأس.

قيل في "فصول الآباء": "من هو البطل؟ الذي يجعل عدوّه حبيبه".

إذا كان الأمر كذلك، فنتنياهو هو مضاد للبطل بشكل واضح. لديه موهبة نادرة في تحويل الأصدقاء إلى أعداء. تساعده سارلي في ذلك بأفضل ما تستطيع إلى حدّ بعيد.

نصح ونستون تشرتشل المنتصرين بأن يعملوا بسعة قلب. ولكن سعة القلب ليست من صفات نتنياهو البارزة. فقد أوضح بأنّه، وهو فقط، سيكون من الآن السيّد.

بعد الانتخابات فورا، قرّر نتنياهو أنّ الحكومة القادمة ستكون ائتلافا ضيّقا من الأحزاب اليمينية والحاريدية، حكومة ستكون قادرة أخيرا على تنفيذ الأمور التي يريد القيام بها حقّا: أن يضع حدّا للهراء حول دولتين، إخصاء المحكمة العليا، وإغلاق فم الإعلام وغيرها وغيرها.

عمل كل شيء على نحو جيّد. دعا سيادة الرئيس رؤوفين رفلين نتنياهو لتشكيل الحكومة. تقدّمت نقاشات الائتلاف بشكل سلس، فأصبح تشكيل الحكومة أكثر وضوحا: الليكود، يهدوت هتوراه، شاس، القائمة الاجتماعية لموشيه كحلون والقائمة اليمينية المتطرّفة بقيادة أفيغدور ليبرمان. معًا: 67. مثاليّ تماما.

لا يحتاج رؤساء الأحزاب أن يُحبّوا بعضهم البعض من أجل إقامة ائتلاف. لا يحتاجون أصلا إلى أن تكون لديهم علاقة مبنية على المحبة بين بعضهم البعض. ولكن مع ذلك، فليس مريحا تماما أن يكره ويحتقر أعضاء الحكومة بعضهم البعض.

كان أفيغدور ليبرمان أول من ألقى قنبلة.

لا يُعتبر ليبرمان إسرائيليًّا "حقيقيا". فهو يبدو مختلفا، يتحدث ويُفكر بشكل مختلف. لديه لكنة أجنبية ثقيلة، ويبدو أنّ دماغه يعمل بشكل مختلف. ورغم أنه جاء إلى إسرائيل قبل عشرات السنين، فهو يُعتبر "روسيّا". في الواقع فقد جاء من مولدافيا السوفييتية.

هناك مقولة منسوبة لستالين: التأخر في الانتقام يجعل الضربة أشد قساوة. ألقى ليبرمان قنبلته يوم الثلاثاء هذا الأسبوع، قبل يوم من انتهاء الموعد المحدّد في القانون لتشكيل الحكومة الجديدة.

خسر ليبرمان في الانتخابات أكثر من نصف قوته لصالح الليكود. رغم ذلك فقد وعده نتنياهو بأنّه سيحصل مجدّدا على حقيبة الخارجية المرموقة. سيكون ذلك أسهل، لأنّ نتنياهو، على أية حال، هو من يتّخذ جميع القرارات في الشؤون الخارجية.

فجأة، ودون أي استفزاز، عقد ليبرمان مؤتمرا صحفيا ونقل رسالة مصيرية: إنّه لن ينضمّ إلى الحكومة الجديدة.

لماذا؟ لأنه تمت تلبية جميع طلبات ليبرمان. تم تقديم الذرائع التي لا أساس لها. على سبيل المثال: إنه يريد أن يتم إعدام "الإرهابيين"، على العكس تماما من رأي جميع أجهزة الأمن، التي تخشى (بحق) من خلق قدّيسين. يريد ليبرمان كذلك أن يرسل إلى السجن الشبان الحاريديين الذين يرفضون الخدمة في الجيش؛ وهو طلب سخيف في حكومة سيلعب فيها الحاريديون دورًا مركزيًّا. وهلمّ جرّا.

كان ذلك عملا انتقاميا واضحا وجليّا. من المرجّح أن ليبرمان قد اتّخذ هذا القرار فورا بعد الانتخابات، ولكنه احتفظ به سرًّا حتى اللحظة الأخيرة تماما، عندما لم يكن هناك وقت لنتنياهو لتغيير تشكيل الحكومة المقترحة، مثلا عن طريق دعوة المعسكر الصهيوني.

بالفعل، انتقام قاس.

دون الأعضاء الستّة في حزب ليبرمان، بقي لدى نتنياهو ائتلاف من 61 رجلا وامرأة. هذا كاف لتقديم حكومة أمام الكنيست وللحصول على الثقة. كاف بصعوبة.

حكومة من 61 عضو كنيست هي كابوس مستمرّ. لا أتمناها لأشدّ أعدائي على الإطلاق.

في حالة كهذه، لا يمكن لأي عضو كنيست من الائتلاف أن يُسافر إلى الخارج، لئلا تقترح المعارضة فجأة اقتراحا بسحب الثقة. يُشكل هذا بالنسبة لمواطني إسرائيل، مصيرًا أسوأ من الموت. الطريقة الوحيدة التي يمكن لعضو الائتلاف فيها أن يسافر لقضاء الأوقات في باريس هي أن يجري اتفاق تغيّب مشترك مع أحد أعضاء المعارضة، الذي يريد الذهاب إلى لاس فيغاس. أي التعاون بين الأعضاء.

ولكن نتنياهو ينتظر كابوسا أكثر سوءًا بكثير: في ائتلاف من 61 عضوًا، كل نذل هو ملك وكل نذلة هي ملكة. يمكن لكل عضو كنيست أن يُحبط اقتراح قانون حكومي، أن يدع اقتراح المعارضة يفوز، أن يتغيّب عن تصويت مهم.

كل يوم سيكون يوما جيّدا للابتزاز من جميع الأنواع ومن قبل جميع الأعضاء. حتى في الأساطير اليونانية لم تخترع الآلهة الشريرة طريقة تعذيب من هذا النوع.

في الواقع، فقد أعطيَ النموذج الأول منذ اليوم التالي، اليوم الذي كان على نتنياهو فيه أن ينهي المهمّة، مهما كانت.

وجد نفتالي بينيت، الذي لم يوقّع حتى الآن على اتفاق الائتلاف، نفسه في حالة لا يمكن فيها إقامة حكومة دونه. فكر كثيرًا كيف يمكنه استغلال هذه الحالة وتحقيق شيء ما أبعد ممّا وُعد به فعلا (وخلال ذلك إهانة نتنياهو إطلاقا). لقد عرض طلب تعيين أييلت شاكيد كوزيرة للعدل.

شاكيد هي ملكة جمال الكنيست الجديد. رغم أنّها تبلغ من العمر 38 عاما، فلديها وجه فتاة. واسمها أيضًا جميل.

كانت والدتها معلّمة ذات رؤية يسارية. وكان والدها، المولود في العراق، عضوا في مركز الليكود. وقد سارت على خُطاه.

الظبية ذات العينين اللوزيّتين هي ناشطة سياسية كل أعمالها مليئة بالكراهية: كراهية شديدة للعرب، كراهية اليساريين، كراهية المثليّين، كراهية اللاجئين الأجانب. لقد كتبت سلسلة طويلة من اقتراحات القوانين اليمينية المتطرّفة. من بينها القانون البشع الذي يقول إنّ "الطابع اليهودي" للبلاد سابق للديمقراطية، وهو أعلى أيضا من القوانين الأساسية. يشكل تحريضها ضدّ اللاجئين الذين لا حول لهم ولا قوة من السودان وإريتريا جزءًا من جهودها التي لا تهدأ لإساءة معاملة الضعفاء. رغم أنّها الرقم 2 في حزب ديني واضح، الذي ورث المفدال، فهي علمانية تماما.

تطوّرت العلاقة بينها وبين بينيت وتوثّقت عندما عمل كلاهما في مكتب نتنياهو، عندما كان في المعارضة. بطريقة ما أثار الاثنان غضب سارلي، التي لا تنسى ولا تغفر أبدا. وبالمناسبة، حدث الأمر نفسه مع ليبرمان، الذي كان هو أيضًا في ذلك الوقت مدير مكتب نتنياهو.

جاء اليوم يوم الانتقام واستدّ. خلال المفاوضات أساء نتنياهو لبينيت، وتركه يتعرّق لعدة أيام طويلة. والآن انقلبت الأمور رأسا على عقب. بعد مغادرة ليبرمان، استغلّ بينيت الفرصة من أجل إضافة طلب جديد كشرط لانضمامه إلى الائتلاف: تعيين أييلت شاكيد وزيرة العدل.

ولعدم وجود خيار آخر، استسلم نتنياهو للابتزاز الواضح. وإلا كان سيبقي دون حكومة.

الآن ستُسيطر الظبية على المحكمة العليا، التي تكرهها من كل قلبها. ستختار المستشار القضائي القادم وستملأ لجنة تعيين القضاة بأعضاء اليمين. ستُسيطر أيضًا على لجنة الوزراء لشؤون التشريع، التي تقرر أي اقتراح قانون تقدّمه الحكومة للكنيست، وأي اقتراح لا تقدّمه.

ليس هذا هو الوضع الأكثر تشجيعا للديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط.

لدى نتنياهو خبرة كافية ليعلم أنّه من المستحيل أن يحكم على مدى طويل بواسطة ائتلاف واهٍ ومُزعزع كهذا. فهو بحاجة إلى شريك آخر. ولكن أين يعثر عليه؟

الحزب العربي ليس في الحسبان، بطبيعة الحال. ولا ميرتس أيضًا. ولا حزب يائير لبيد أيضًا؛ فالحاريديين ببساطة يرفضون الجلوس معه في حكومة واحدة. (ربما يمكن رشوتهم، كما هو الحال دائما). بصق ليبرمان في وجه نتنياهو، ولن يرغب الأخير في إعادته. بقي له فقط "المعسكر الصهيوني".

من أجل الحقيقة، أعتقد أن يتسحاق هرتسوغ سيقفز على هذه الفرصة، إذا أعطيتْ له فقط. إنه بحاجة إلى أن يعلم بأنّه ليس زعيم الجموع المطلوب كي يقود حزبه إلى الحكم. ليس لديه قامة شمشون الجبّار ولا صوت نتنياهو. لم يبتكر فكرة أصيلة أبدا ولم يقُدْ احتجاجا ناجحا.

فضلًا عن ذلك، فلم يتميّز حزب العمل أبدا في المعارضة. لقد كان الحزب الحاكم على مدى 43 عاما متتالية، قبل إقامة الدولة وبعدها. كحزب معارض فهو مثير للشفقة، وهكذا أيضًا "بوجي".

بالنسبة لهرتسوغ، سيكون الانضمام إلى حكومة نتنياهو بعد عدّة أشهر انطلاقة مثالية. فلدينا لا يوجد أبدا نقص في الذرائع؛ لدينا مرة في الشهر حالة طوارئ وطنية تستلزم حكومة وحدة وطنية. قد يكون ذلك حربا صغيرة، أو مشاكل مع الولايات المتحدة، وهكذا دواليك. (رغم أنّ جون كيري استدعى لنفسه، هذا الأسبوع، مقابلة على القناة العاشرة، وهي مقابلة كانت حِرَفية التفكير في زحف مخجل على البطن).

لن يكون انضمام هرتسوغ سهلا. حزب العمل ليس هيئة متجانسة. العديد من أعضائه في الكنيست غير معجبين بهرتسوغ. إنهم يعتقدون أن بينيت فاشي ونتنياهو كذاب ومخادع متسلسل. ولكن قوة الجذب للحكومة كبيرة، والمقاعد مصنوعة من جلد الغزال.

رهاني: نتنياهو، الناجي الأكبر، سينجو هذه المرة، وسارلي أيضًا.