اوري افنيري 

أعمى في غزة / أوري أفنيري


ضائقة الحرب - كلّ حرب - أنّ فيها طرفين.

كلّ شيء كان أكثر بساطة فيما لو كان لها طرف واحد. طرفنا، بطبيعة الحال.

أنت تخطّط لخطّة رائعة. تعدّ كلّ شيء من أجلها. تتدرّب، حتى يكون كلّ شيء مثاليًّا.

وحينها تبدأ الحرب، وتكتشف متفاجأ بشدّة أنّ هناك طرفًا آخر أيضًا، والذي لديه هو أيضًا خطّة متكاملة، والتي قام بإعداد كل شيء لأجلها بل وتدرّب كما ينبغي.

حين تلتقي الخطّتان، يذهب كلّ شيء على نحو خاطئ. تنهار كلتا الخطّتان. لا تعلم ماذا سيحدث. كيف تستمرّ. تقوم بأشياء لم تخطّط لها. وحين تكتفي بذلك وتريد الخروج، لا تعرف كيف. أن تنهي حربًا أكثر صعوبة من أن تبدأها، وخصوصًا حين يحتاج كلا الطرفين الإعلان عن الانتصار.

الآن وصلنا إلى هذه النقطة.

كيف بدأ هذا؟ يتعلّق الأمر من أين تريد أن تبدأ.

كما في كلّ مكان، كلّ حدث في غزة هو استجابة على حدث آخر. تقوم بشيء لأنّ الطرف الآخر قام بشيء. وهو قام بهذا الشيء لأنّك قمت بشيء سابق لذلك. يمكنك الرجوع في هذه المجموعة حتى تصل إلى بداية التاريخ. أو على الأقل حتى شمشون الجبّار.

شمشون، كما هو معلوم، تمّ أسره ("اختطافه"؟) على يد الفلسطينيين، الذين نقروا عينيه وأحضروه لغزة. وهناك انتحر بواسطة هدم المعبد على رأسه ورأس الطغاة والجماهير، وهو ينادي: "تموت نفسي مع الفلسطينيين!"

لو كان ذلك قديمًا جدًا، فتعالوا نعود إلى بداية الاحتلال الحالي، في عام 1967.

(قبل ذلك كان هناك احتلال تم نسيانه. عندما احتلّت إسرائيل قطاع غزة وكلّ شبه جزيرة سيناء خلال معركة "قادش" عام 1956، أعلن بن غوريون عن "مملكة إسرائيل الثالثة". ولكن بعد مرور أيام قليلة أعلن، بصوت منكسر، بأنّه وعد الرئيس أيزنهاور بإعادة كلّ الأراضي التي قمنا باحتلالها. دعت عدّة أحزاب إسرائيلية بن غوريون إلى الإبقاء على قطاع غزّة على الأقل في أيدينا، ولكنّه رفض بشدّة. لم يكن يريد إضافة مئات الآلاف الأخرى من العرب لسكّان إسرائيل).

ذكّرني أحد أصدقائي بمقال كتبته بعد أقلّ من عامين من حرب 1967، والتي قمنا فيها باحتلال غزة مجدّدًا. اكتشفت حينها أنّ عاملين عربيين عملا في بناء الطرق، أحدهما من الخليل والآخر من غزة، قاما بنفس العمل تمامًا، وتلقّيا راتبًا مختلفًا. تلقى الشخص الذي من غزة أجرًا أقلّ بكثير.

ولأنّني كنت حينها عضو كنيست، بحثت عن تفسير للمسألة. أوضح لي مسؤول كبير أنّ هذه سياسة ثابتة. كان الهدف هو التأثير على العرب لترك قطاع غزة والانتقال إلى الضفة الغربية (أو إلى أي مكان آخر)، من أجل تفريق المواطنين الـ 400 ألف من غزة، والذين كان معظمهم لاجئين من إسرائيل. يبدو أنّ ذلك لم ينجح تمامًا، حقيقة: يعيش هناك اليوم نحو 1.8 مليون عربي.

في نفس المقال قبل 45 عامًا حذّرت: "(إذا استمرّينا هكذا) فإنّنا سنقف أمام الخيار الرهيب: قمع الإرهاب الذي سينتشر في كلّ أنحاء البلاد، أو القيام بأعمال انتقامية وقمع والتي ستفسد وحشيّتها نفوسنا وتقلب العالم كلّه ضدّنا... علينا أن نفهم ذلك اليوم؛ قبل أن تنشأ هناك حلقة مفرغة، لأنّ بعد ذلك سيكون هذا متأخّرا جدّا". نُشر هذا في "هذا العالم" في 26 شباط عام 1969.

وأنا أذكر ذلك ليس (فقط) من أجل الافتخار، وإنما لأُظهر بأنّ كل شخص عاقل كان بإمكانه أن يتوقّع ما يحدث الآن.

كانت غزة بحاجة إلى الكثير من الوقت للوصول إلى هذه النقطة.

أذكر ليلة في منتصف سنوات التسعينات. دُعيت لمؤتمر فلسطيني (حول مشكلة الأسرى) والذي استمرّ لعدّة أيام. دعانا مضيفونا - أنا وراحيل - لقضاء بضعة أيام في فندق على شاطئ البحر. كانت غزة مكانًا جميلا. تجوّلنا في وقت متأخر من الليل وحدنا في الشارع الرئيسي في المدينة. ولقد تحدّثنا مع أشخاص عرفوا أنّنا إسرائيليَين. كنّا سعداء.

أذكر أيضًا اليوم الذي انسحب فيه الجيش الإسرائيلي من معظم أراضي القطاع. كان ينتصب قرب مدينة غزة برج حراسة ضخم، على ارتفاع عدّة طوابق، بحيث "يستطيع الجنود أن ينظروا من خلال كلّ شباك في المدينة". حين اختفى الجنود، صعدت إلى أعلى البرج ومررت بعشرات الأطفال المبتهجين الذين صعدوا ونزلوا على الدرج الحديدي، كالملائكة في سلّم يعقوب. كنّا سعداء مرة أخرى. والآن أطفال تلك الفترة هم - على الأرجح - مقاتلو حماس.

في تلك الفترة عاد ياسر عرفات إلى البلاد، الذي قدمتْ أسرته من قطاع غزة، وأنشأ مقرّه في غزة. تمّ بناء مطار جميل. وتم التخطيط لميناء كبير.

(توجّهت إليّ بتكتّم شركة هولندية كبيرة متخصّصة في بناء الموانئ وطلبت مني اقتناص علاقة الصداقة مع عرفات كي تفوز في المناقصة. ألمحت إلى تقديم هدية سخيّة من أجلي. لكنني رفضت بأدب. في كلّ سنوات معرفتي بعرفات لم أطلب منه شيئًا أبدًا. يبدو لي أنّ هذا كان أساس الصداقة الغريبة جدّا والتي كانت بيننا).

لم يُبنَ الميناء أبدًا. فيما لو تمّ بناؤه، لأصبحت غزة مركزًا تجاريّا يعجّ بالحركة. كان مستوى المعيشة سيقفز بشكل كبير. كان سينخفض ميل السكّان لاختيار حركة إسلامية متطرّفة.

لماذا لم يحدث هذا؟ رفضت إسرائيل السماح ببناء الميناء. على عكس الالتزام الصريح في اتفاق أوسلو منذ العام 1993، فقد قطعت إسرائيل كلّ اتصال بين القطاع والضفة. كان الهدف هو منع إمكانية إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة.

صحيحٌ أنّ رئيس الحكومة، أريئيل شارون، قد قام بإخلاء أكثر من عشر مستوطنات في القطاع، التي تحوّلت إلى عبء على الجيش الإسرائيلي. والآن هذا أحد الشعارات المعتادة في مناطقنا: "قمنا بإرجاع كلّ قطاع غزة، وعلى ماذا حصلنا بالمقابل"؟ صواريخ القسّام"! وهذا يعني أنّه لا يجب إرجاع الضفة الغربية لهم.

ولكن شارون لم يقم بإعادة القطاع إلى السلطة الفلسطينية أو لأي جسم فلسطيني آخر. نحن ندعو بشكل ملحّ إلى "خطوات من جانب واحد". الجيش الإسرائيلي انسحب ببساطة، بقيت غزة دون حكومة، دون اتفاق بين الطرفين. فوضى.

القطاع غارق في المعاناة. في الانتخابات الفلسطينية عام 2006، وبإشراف الرئيس الأسبق جيمي كارتر، صوّت سكان غزة - كسكان الضفة - بغالبية نسبية لحزب حماس. حين تمّ سلب السلطة من حماس، قامت باستعادتها بالقوة في غزة. قام السكان المحليّون بتأييدها.

كانت ردّة فعل إسرائيل فرض الحصار. يمكن فقط إدخال كميات محدودة من بضائع معيّنة، وفقط بموافقة السلطات التي تمنح وتلغي بشكل تعسّفي. أثار سيناتور أمريكي ضجّة عندما علم أن المعكرونة تعتبر مادة استراتيجية ولا يسمح بإدخالها. وفي الاتجاه المعاكس؛ لا يمكن في الواقع إخراج أي شيء من القطاع. كان ذلك غريبًا جدّا، لأنّه من الناحية "الأمنية" ليست هناك خشية من تهريب وسائل قتالية إلى الخارج. الحقيقة أن الحصار خُصّص لخنق القطاع. وبذلك وصلت البطالة إلى نحو 60%.

يبلغ طول القطاع نحو 40 كيلومترًا ومتوسط عرضه نحو 10 كيلومترات. تحدّها إسرائيل من الشمال والشرق، ومن الغرب أيضًا يسيطر سلاح البحرية الإسرائيلي على البحر. وإلى الجنوب تقع مصر، والتي يرأسها الآن طاغية وحشيّ معادٍ للإسلاميين، وحليف لإسرائيل. وكما يقول الشعار: "غزة هي السجن الأكبر في العالم!"

يعلن كلا الطرفين الآن أنّ هدفهما هو وضع حدّ لهذه الحالة. ولكنّهما يتحدّثان عن أمرين مختلفين تمامًا.

يريد الجانب الإسرائيلي أن يبقى الحصار قائمًا، وإنْ كان بصورة أكثر اعتدالا. سيكون من الممكن إدخال المعكرونة والسلع المماثلة، بالطبع تحت رقابة صارمة. لن يكون هناك مطار. لن يكون هناك ميناء. يجب منع إعادة تسلّح حماس مرة أخرى.

يريد الجانب الفلسطيني رفع الحصار مرة واحدة وللأبد، بشكل رسميّ أيضًا. يريدون إنشاء ميناء ومطار. لا يهمّهم أن يكون هناك إشراف من مؤسّسة دولية أو من قبل السلطة الفلسطينية التي تُدار من قبل أبي مازن.

كيف يمكن تربيع الدائرة، وخصوصًا عندما يكون "الوسيط" هو الطاغية المصري، الذي يعمل كعميل لإسرائيل؟ إشارة الوقت الآن أنّ الولايات المتحدة اختفت تمامًا من مهنة الوساطة. بعد المحاولات الفاشلة لجون كيري كوسيط، أصبحت أمريكا محتقرة في المنطقة كلّها.

لا يمكن لإسرائيل "إسقاط" حماس، كما يقرّر سياسيّونا الفاشيّون تقريبًا، والذين يتواجدون في الحكومة أيضًا. كما أنّهم لا يريدون ذلك حقّا. إذا "انهارت" حماس، فسيكون من الضروري نقل كلّ القطاع إلى أيدي السلطة الفلسطينية (أي فتح). معنى ذلك أنّ القطاع والضفة سيكونان موحّدان مجدّدًا، بعد كلّ الجهود الكبيرة التي بذلتها إسرائيل من أجل التفريق بينهما. أمر ليس جيّدًا على الإطلاق.

إذا بقيتْ حماس في السلطة بغزة، فلن تستطيع إسرائيل السماح لـ "تنظيم إرهابي" بالازدهار. تخفيف الحصار سيكون سهلا، على أية حال. سوف يلتفّ السكّان حول حماس أكثر وسيحلمون بالانتقام من إسرائيل على الدمار الهائل الذي تسبّبت به في هذه الحرب. ستكون الحرب القادمة قاب قوسين، وتقريبًا يؤمن جميع الإسرائيليين بذلك.

سنصل في النهاية إلى نفس المكان الذي كنّا فيه من البداية.

لا يمكن إيجاد حلّ حقيقي لغزة دون حلّ حقيقي لفلسطين.

  • يجب إنهاء الحصار، مع الأخذ بعين الاعتبار بالاحتياجات الأمنية لكلا الطرفين.
  • يجب أن يتوحّد كل من قطاع غزة والضفة الغربية (مع القدس الشرقية) من جديد.
  • يجب فتح "الممرّات الآمنة" الأربعة بين المنطقتين، كما وُعدوا في اتفاق أوسلو.
  • يجب أن تُقام انتخابات فلسطينية والتي مرّ موعدها منذ فترة، سواء للرئاسة أو للبرلمان، ويجب على الحكومة الجديدة التي ستقوم أنّ توافق عليها الأحزاب الفلسطينية وأن تحظى باعتراف جميع دول العالم، بما في ذلك إسرائيل والولايات المتحدة.
  • يجب بدء مفاوضات جادّة للسلام، والتي تستند إلى حلّ الدولتين، ويجب أن تنتهي خلال زمن معقول.
  • يجب على حماس الالتزام رسميًّا بقبول اتفاق السلام الذي يتمّ تحقيقه في تلك المفاوضات.
  • يجب توفير حاجيات الأمن الشرعية لإسرائيل.
  • يجب افتتاح ميناء غزة والسماح للقطاع - ولكل دولة فلسطين - باستيراد البضائع وتصديرها.

من غير المجدي "حلّ" مشكلة واحدة من هذه المشاكل. يجب حلّها كلّها معًا. كما ويمكن حلّها كلّها معًا.

إلا إذا كنّا نريد فعلا الالتفاف مجدّدًا ومجدّدًا، من "جولة" إلى "جولة" أخرى وراءها، دون أمل ودون فداء.

"نحن" - الإسرائيليون والفلسطينيون - المأسورون باحتضان الحرب للأبد.

أو نقوم بما قام به شمشون الجبّار: الانتحار.